امرأة تحمل رائحة البيّاضة .

    الشّاعر: عبداللطيف الحسيني القسم: »
    تصنيف

    امرأة تحمل رائحة البيّاضة .

    كنتَ تعرفُُها, إنها هي التي سقتك ماءً مثلجاً حين طرقتَ بابها قبلَ عقدين في مدينة حمص
    وكنتَ تنزفُ عرقاً تموزيّاً , بل دعتك إلى بيتها حين عرفتك غريباً : (غريب الوجه واليد واللسان),
     وها هي المرأةُ نفسُها تطرق بابكَ وابنُها خلفها يجرجرُ انكسارات مدينة حمص كلها ,
    هي امرأة المعنى وصورةُ الانتهاك والفقر و المجاعة ولوعة الغياب : غياب الزوج و الأخ والأب والجار.
    ماذا ستقدّم لها وهي التي سقتك زمزماً فيّاضاً وكنتَ بحاجة إلى قطرة ماء (ولو مسمومة)؟
    لم تسألْها عن مدينتها , وماذا تفعل هنا في هذا الشمال الشرقيّ البائس والمطعون ؟
    ولم تسألها عمّا وعمّنْ أتى بها إلى شمالنا الآمن والمغيّب ؟
    تعرفُ تفاصيل تلك المرأة مجازاً وحاضراً وسابقاً , وتعرفُ (فتحة حمص)
    حين تهبُّ صيفاً وشتاءً ومشاوير الفتيات والنسوة المرحات في شوارع مشجّرة وحدائق غنّاء
    , هذا ما تعرفُه عن هذه المرأة التي تحمل رائحة مدينتها , وكان يجب أنْ تكون في نفس الشارع
    و الشجروالحديقة في هذا الوقت بالذات .
    لكنْ مَنْ سيعيدُها إلى مهبط روحها ؟ و مَنْ سيعيدُ شهداءها : الزوج والأخ و الأب والجار ؟.
    المرأةُ – السوادُ تطرقُ باباً خشبيّاً منهاراً ... فمحلّاً خاوياً ...فشارعاً مزدحماً بالفراغ ...فمدينةً غادرتْها الأرواحُ .
    هل تقبلُ امرأةُ السواد منكَ : مرحباً بكِ يا مَنْ دخلتِ ذليلةً , فأقيمي بيننا كريمة المعشر ,
    طيّبة رائحة الشهداء وهي تفورُ من يديك ؟
    ........
    سألتُ الصبيّ الذي يرافقها وهو مهلهلُ الثياب والملامح والروح : من أين أنت ؟
     أجابني متقطّعاً ومشتاقاً : ح – م – ص – البياضة .
    لا أملك يا أيّها الصبيّ النقيّ ويا أمَّه إلا أنْ نقول : فيا ويلتاه علينا يا امرأة أتتنا :
    غريبة الوجه واليد واللسان .

    ضع تعليق

    ضع تعليق